ابن قيم الجوزية

98

البدائع في علوم القرآن

وقال جابر : أول ما أنزل عليه : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) . والصحيح قول عائشة لوجوه : أحدها : أن قوله : « ما أنا بقارئ » صريح في أنه لم يقرأ قبل ذلك شيئا . الثاني : الأمر بالقراءة في الترتيب قبل الأمر بالإنذار ، فإنه إذا قرأ في نفسه ، أنذر بما قرأه ، فأمره بالقراءة أولا ، ثم بالإنذار بما قرأه ثانيا . الثالث : أن حديث جابر ، وقوله : أول ما أنزل من القرآن يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قول جابر ، وعائشة أخبرت عن خبره صلى اللّه عليه وسلم عن نفسه بذلك . الرابع : أن حديث جابر الذي احتج به صريح في أنه قد تقدم نزول الملك عليه أولا قبل نزول يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) ، فإنه قال : « فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء ، فرجعت إلى أهلي فقلت : زملوني دثروني ، فأنزل اللّه : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) ، وقد أخبر أن الملك الذي جاءه بحراء أنزل عليه : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) ، فدل حديث جابر على تأخر نزول يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) ، والحجة في روايته ، لا في رأيه ، واللّه أعلم « 1 » . فصل أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى : أن يقرأ باسم ربه الذي خلق ، وذلك أول نبوته ، فأمره أن يقرأ في نفسه ، ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ ، ثم أنزل عليه يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) [ المدثر ] فنبأه بقوله : ( اقرأ ) ، وأرسله ب ( يا أيها المدثر ) ، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين « 2 » . فصل وأقام ثلاث سنين يدعو إلى اللّه - سبحانه - مستخفيا ، ثم نزل عليه : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) [ الحجر ] ، فأعلن صلى اللّه عليه وسلم بالدعوة ، وجاهر قومه بالعداوة ، واشتد الأذى عليه ، وعلى المسلمين ، حتى أذن اللّه لهم بالهجرتين « 3 » .

--> ( 1 ) زاد المعاد ( 84 ، 85 ) . ( 2 ) زاد المعاد ( 1 / 158 ) . ( 3 ) زاد المعاد ( 1 / 86 ) .